الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

205

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وآخر رابع لم يكذب على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مبغض للكذب خوفا من اللّه تعالى وتعظيما لرسوله ولم ينسه بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه ، وعلم الناسخ من المنسوخ فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ ، فان أمر النبيّ مثل القرآن ناسخ ومنسوخ ، وخاص وعام ، ومحكم ومتشابه ، وقد كان يكون من النبي الكلام له وجهان : كلام عام وكلام خاص مثل القرآن وقال تعالى في كتابه : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فخَذُوُهُ وَما نَهاكُمْ عنَهُْ فَانْتَهُوا ( 1 ) فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى اللّه ورسوله به ، وليس كلّ أصحاب النبيّ كان يسأله عن الشيء فيفهم ، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه حتى أن كانوا ليحبون ان يجيء الاعرابي والطارئ فيسأل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى يسمعوا . وقد كنت أدخل على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كلّ يوم دخلة وكلّ ليلة دخلة ، فيخليني فيها أدور معه حيث دار ، وقد علم أصحاب النبيّ انهّ لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري ، فربما كان في بيتي يأتيني وكنت إذا دخلت عليه في منازله أخلا بي وأقام عني نساءه فلا يبقي عنده غيري ، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ولا أحد من ابنيّ ، وكنت إذا سألته أجابني ، وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني ، فما نزلت على النبي آية من القرآن إلّا أقرأنيها وأملاها عليّ ، فكتبتها بخطي وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وخاصّها وعامّها ، ودعا اللّه أن يعطيني فهمها وحفظها ، فما نسيت آية من كتاب اللّه تعالى ولا علما أملاه عليّ ، وما ترك شيئا مما علمّه اللّه من حلال ولا حرام ، ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلّا علمنيه ، ثم وضع يده على صدري

--> ( 1 ) الحشر : 7 .